الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
464
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
محاريبهم ، ويرنون يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون ، فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياما على أطرافهم منحنية ظهورهم ، يتلون أجزاء القرآن لصلاتهم ، قد اشتدت أعوالهم ونحيبهم وزفيرهم ، فإذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم حلاقيمهم ، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم ، فلو رأيتهم في نهارهم اذن رأيت قوما يمشون على الأرض هونا ، ويقولون للناس حسنا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، وإذا مروا باللغو مروا كراما ، قد قيّدوا أقدامهم من التهمات ، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس ، وسجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض ، وكحلوا أبصارهم بغض النظر إلى المعاصي ، وانتجعوا دار السّلام التي من دخلها كان آمنا من الريب والأحزان ، فلعلّك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الأسقام بناضرة وجهها ، ودار قد أشغلت بنقش رواقها ، وستور قد علقتها والريح والاحنام موكلة حبرها ، وليست دارك دار البقاء ، فأحبك له الدار التي خلقها سبحانه من لؤلؤة بيضاء ، فشقّ فيها أنهارها ، وغرس فيها أشجارها ، وأذلّ عليها بالنضج من ثمارها ، وكبسها بالعواتق من حورها ، ثم سكّنها أولياءه وأهل طاعته ، فلو رأيتهم يا أحنف وقد قدموا على زيادات ربهم سبحانه ، فإذا ضربت خباءهم صوتت رواحلهم بأصوات لم يسمع السامعون بأحسن منها ، وأظلتهم غمامة فأمطرت عليهم المسك والوردان ، وصهلت خيولهم بين أغراس تلك الجنان ، وتخللت بهم نوقهم بين كثب الزعفران ، وتلألأ من تحت أقدامهم اللؤلؤ والمرجان ، واستقبلتهم قهارمتها بمنابر الريحان ، وهاجت لهم ريح من قبل العرش فنثرت عليهم الياسمين والأقحوان ، ولمّا ذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان ، ثم يسجدون للهّ في فناء الجنان ، فقال لهم الجبّار : ارفعوا رؤوسكم ، فاني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة ، واسكنتم جنّة الرضوان ،